محمد ابراهيم شادي
105
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
4 - البيان والإجمال : هذه من السمات المميزة للتعبير القرآني عن المعاني ، فهو يجمع بين طرفي البيان والإجمال في اقتدار لا تجده في كلام البشر . لأن الناس إذا عمدوا إلى تحديد أغراضهم لم يكن التعبير محتملا الدلالة على غير ذلك الغرض . أو على حد تعبير الشيخ دراز : " إن الناس إذا عمدوا إلى تحديد أغراضهم لم تتسع لتأويل " « 1 » . بل قد يذهب بعضه إلى الإلباس والإبهام إذا عمد إلى إجمال غرضه . أما أن يجمل الغرض وتحدد العبارة ثم تجد من ورائها اتساعا في المعاني وغزارة في الدلالة المقصودة والمحتملة فذلك ما لا تجده في كلام الناس . لكنه مطرد في القرآن . ومن مظاهر هذا ما تجده من تعدد الاجتهادات في تفسير اللفظ الواحد عند جمهرة المفسرين . فذلك لا يعد اختلاف . ولكنها اجتهادات يتسع لها اللفظ القرآني ويحتملها المعنى ، بل إن الشخص الواحد يخرج بمعان شتى للعبارة أو الجملة الواحدة كلما تردد عليها بالتأمل . ويضرب الشيخ لذلك مثلا بقوله تعالى : ( وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) [ البقرة : 212 ] . فإنك لو قلت في معناها : إنه سبحانه يرزق من يشاء بغير محاسب يحاسبه ولا سائل يسأله ، لما ذا يبسط الرزق لهؤلاء ويقدره على هؤلاء ؟ أصبت . ولو قلت : إنه يرزق بغير تقتير ولا محاسبة لنفسه عند الإنفاق خوف النفاد أصبت . ولو قلت : إنه يرزق من يشاء من حيث لا تحتسب ولا تنتظر أصبت . ولو قلت : إنه يرزقه بغير معاتبة ومناقشة له على عمله : أصبت . ولو قلت : إنه يرزقه رزقا كثيرا لا يدخل تحت حصر ولا حساب : أصبت « 2 » . ولكن بالرجوع إلى سياق هذه الآية أو الجزء من الآية تبين أنها تتحدث عن الرزق يوم القيامة للمتقين قال تعالى : ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ
--> ( 1 ) نفسه 110 . ( 2 ) راجع النبأ العظيم 110 ، 111